فصل: قال الفخر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وكأنه لمثل ذلك عبر بالتمكين ويتخطف الناس من حولهم كما يأتي تأكيده في التي بعدها، وقد كان قبل ذلك بقعة من بقاع الأرض لا مزية له على غيره بنوع مزية، فالتقدير: إنما فعلنا ذلك بعد سكنى إسماعيل عليه الصلاة والسلام، توطئة لما أردنا من الحكم والأحكام، أو ليس الذي قدر على ذلك وفعله لمن يعبد غيره بقادر على حماية من يدخل في دينه، وقد صار من حزبه بأنواع الحمايات، وإعلائه على كل من يناويه إلى أعلى الدرجات، كما فعل في حمايتكم منهم ومن غيرهم من سائر المخالفين أعداء الدين.
ولما وصفه بالأمن، أتبعه ما تطلبه النفس بعده فقال: {يجبى} أي يجمع ويجلب مما لا يرجونه ولا قدرة لهم على استجلابه {إليه} أي خاصة، دون غيره من جزيرة العرب {ثمرات كل شيء} من النبات الذي بأرض العرب من ثمر البلاد الحارة كالبسر والرطب والموز والنبق، والباردة كالعنب والتفاح والرمان والخوخ، وفي تعبيره بالمضارع وما بعده إشارة إلى الاستمرار وأنه يأتي إليه بعد ذلك من كل ما في الأرض من المال، ما لم يخطر لأحد منهم في بال، وقد صدق الله فيما قال كما تراه- ومن أصدق من الله قيلًا.
ولما كان مجموع ما رزقهم في هذا الحرم من الأمن بأسبابه من الإسراع باصابة من آذى فيه بأنواع العقوبات، وجباية هذه الثمرات، في غاية الغرابة في تلك الأراضي اليابسة الشديدة الحر، المحفوفة من الناس بمن لا يدين دينًا، ولا يخشى عاقبة، ولا له ملك قاهر من الناس يرده، ولا نظام من سياسة العباد يمنعه، عبر عنه سبحانه مع مظهر العظمة بلدان فقال: {رزقًا من لدنا} أي من أبطن ما عندنا وأغربه، لا صنع لأحد فيه كما تعلم ذلك أنت ومن أتبعك ومن فيه قابلية الهداية منهم، وكل ذلك إنما هو لأجلك بحلولك في هذا الحرم مضمرًا في الأصلاب، ومظهرًا في تلك أشعاب، توطئة لنبوتك، وتمهيدًا لرسالتك، ومتى غبت عنهم غاب عنهم ذلك كله وسينظرون.
ولما كان هذا الذي أبدوه عذرًا عن تخلفهم عن الهدى يظنونه من نفائس العلم، رده تعالى نافيًا عمن لم يؤمن منهم جميع العلم الذي بنفيه ينتفي أن يكون هذا الفرد علمًا، فقال في أسلوب التأكيد لذلك: {ولكن أكثرهم} أي أهل مكة وغيرهم ممن لا هداية له {لا يعلمون} أي ليس لهم قابلية للعلم حتى يعلموا أنا نحن الفاعلون لذلك بترتيب أسبابه حتى تمكن ذلك وتم فلا قدرة لأحد على تغييره، وإنا قادرون على أن نمنعهم- إذا تابعوا أمرنا- ممن يريدهم، بل نسلطهم على كل من ناواهم، كقدرتنا على ما مكنا لهم وهو خارج عن القياس على ما يقتضيه عقول الناس، وإنا قادرون على سلب ذلك كله عنهم لإصرارهم على الكفر، ولابد أن نذيقهم ذلك أجمع بعد هجرتك ليعلموا أنه إنما نالهم ذلك ببركتك، ولو علموا ذلك لشكروا، ولكنهم جهلوا فكفروا، ولذلك أنذروا {ولتعلمن نبأه بعد حين}.
ولما أخبر تعالى أنه قادر على التأمين والإنجاء والتمكين مع الضعفة، أتبعه الإعلام بقدرته على الإخافة والإهلاك مع القوة، ترغيبًا لهم- إن آمنوا- بإهلاك أضدادهم، وترهيبًا- إن أصروا- من المعاملة بعكس مرادهم، فقال في مظهر العظمة عاطفًا على معنى الكلام: {وكم أهلكنا} ويجوز أن يكون حالًا من ضمير نمكن أي فعلنا بهم ما ذكرنا من النعمة مع ضعفهم وعجزهم، والحال أنا كثيرًا ما أهلكنا الأقوياء، وأشار إلى تأكيد التكثير مع تمييز المبهم بقوله: {من قرية} وأشار إلى سبب الإهلاك بقوله: {بطرت معيشتها} أي وقع منها البطر في زمان عيشها الرخي الواسع، فكان حالهم كحالكم في الأمن وإدرار الرزق، فلما بطروا معيشتهم أهلكناهم، ومعنى بطرهم لها أنهم شقوها بمجاوزة الحد في المرح، والأشر والفرح، إلى أن تعدوها فأفسدوها وكفروها فلم يشكروها، بل فعلوا في تلقيها فعل الحائر المدهوش، فلم يحسنوا رعايتها، وقل احتمالهم لحق النعمة فيها، فطغوا في التقلب عند مصاحبتها وتكبروا بها، وتمادوا في الغي قولًا وفعلًا، من أجل ما عمهم من الرفاهية عن تقييدها وساء احتمالهم للغنى بها، وطيب العيش فيها، فأبطلوها بهذه الخصائل، وأذهبوها هدرًا من غير مقابل، وذلك من قول أهل اللغة: البطر: الأشر، وقلة احتمال النعمة، والدهش والحيرة والطغيان بالنعمة، والفعل من الكل كفرح، وبطر الحق أن يتكبر عنه فلا يقبله، وبطره كنصره وضربه: شقه، والبطور: الصخاب الطويل اللسان، والمتمادي في الغي، وأبطره ذرعه: حمله فوق طاقته، وذهب دمه بطرًا- بالكسر، أي هدرًا وبطرهم لها أنهم عصوا من خولهم فيها، فخالفوا أمره، وأنساهم الكبر بما أعطاهم ذكره.
ولما تسبب عن هذا الإخبار تشوف النفس إلى آثار هذه الديار، سبب عنه الإشارة بأداة البعد إلى منازلهم، تنبيهًا على كثرتها وسهولة الوصول إليها في كل مكان، لكونها بحيث يشار إليها وعلى بعد رتبتها في الهلاك دليلًا على الجملة التي قبلها فقال: {فتلك مساكنهم}.
ولما كان المعنى أنها خاوية على عروشها وصل به قوله: {لم تسكن} أي من ساكن ما مختار أو مضطر.
ولما كان المراد إفهام نفي قليل الزمان وكثيره، أثبت الجار فقال: {من بعدهم} بعد أن طال ما تغالوا فيها ونمقوها، وزخرفوها وزوقوها، وزفوا فيها الأبكار، وفرحوا بالأعمال الكبار، {إلا} سكونًا {قليلًا} بالمارة عليها ساعة من ليل أو من نهار، ثم يصير تبابًا موحشة كالقفار، بعد أن كانت متمنعة القبا، ببيض الصفاح وسمر القنا.
ولما صارت هذه الأماكن بعد الخراب لا متصرف فيها ظاهرًا إلا الله، ولا حاكم عليها فيما تنظره العيون سواه، وكان هذا أمرًا عظيمًا، وخطبًا جسيمًا، لأنه لا فرق فيه بين جليل وحقير، وصغير وكبير، وسلطان ووزير، دل على ضخامته بقوله مكررًا لمظهر العظمة: {وكنا} أي أزلًا وأبدًا {نحن} لا غيرنا {الوارثين} لم يستعص علينا أحد وإن عظم، ولا تأخر عن مرادنا لحظة وإن ضخم، فليت شعري! أين أولئك الجبارون وكيف خلا دورهم، وعطل قصورهم؟ المتكبرون أفنتهم والله كؤوس الحمام منوعة أشربة المصائب العظام، وأذلتهم مصارع الأيام، بقوة العزيز العلام، فيا ويح من لم يعتبر بأيامهم، ولم يزدجر عن مثل آثامهم.
ولما أظهر سبحانه سوط العذاب بيد القدرة، دل على وطأ العدل بثمرة الغنى، ولكونه في سياق الرحمة بالإرسال عبر بالربوبية فقال: {وما كان} أي كونًا ما {ربك} أي المحسن إليك بالإحسان بإرسالك إلى الناس {مهلك القرى} أي هذا الجنس كله بجرم وإن عظم {حتى يبعث في أمها} أي أعظمها وأشرفها، لأن غيرها تبع لها، ولم يشترط كونه من أمها فقد كان عيسى عليه الصلاة والسلام من الناصرة، وبعث في بيت المقدس {رسولًا يتلوا عليهم} أي أهل القرى كلهم {آياتنا} الدالة- بما لها من الجري على مناهيج العقول، على ما ينبغي لنا من الحكمة، وبما لها من الإعجاز- على تفرد الكلمة، باهر العظمة، إلزامًا للحجة، وقطعًا للمعذرة، لئلا يقولوا {ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا} ولذلك لما أردنا عموم الخلق بالرسالة جعلنا الرسول من أم القرى كلها، وهي مكة البلد الحرام، وفيها لأنها مع كونها مدينة تجري فيها الأمور على قانون الحكمة هي في بلاد البوادي تظهر فيها الكلمة، فجمعت الأمرين لأن المرسل إليها جامع، وجازت الأثرين لأن الختام به واقع، وكان السر في جعل المؤيد لدينه عيسى عليهما الصلاة والسلام من البادية كثرة ظهور الكلمة على يديه.
ولما غيّى الإهلاك بالإرسال تخويفًا، ضرب له غاية أخرى تحريرًا للأمر وتعريفًا، ولكونه في سياق التجرؤ من أهل الضلال، على مقامه العال، بانتهاك الحرمات، عبر بأداة العظمة فقال: {وما كنا} أي بعظمتنا وغنانا {مهلكي القرى} أي كلها، بعد الإرسال {إلا وأهلها ظالمون} أي عريقون في الظلم بالعصيان، بترك ثمرات الإيمان. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}.
اعلم أن في قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء} مسائل:
المسألة الأولى:
هذه الآية لا دلالة في ظاهرها على كفر أبي طالب ثم قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب وذلك أن أبا طالب قال عند موته يا معشر بني عبد مناف أطيعوا محمدًا وصدقوه تفلحوا وترشدوا، فقال عليه السلام «يا عم تأمرهم بالنصح لأنفسهم وتدعها لنفسك! قال فما تريد يا ابن أخي؟ قال أريد منك كلمة واحدة، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا أن تقول لا إله إلا الله، أشهد لك بها عند الله تعالى» قال يا أخي قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جزع عند الموت ولولا أن يكون عليك وعلى بني إبيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصحك، ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف.
المسألة الثانية:
أنه تعالى قال في هذه الآية: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ} وقال في آية أخرى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] ولا تنافي بينهما فإن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة والبيان والذي نفى عنه هداية التوفيق، وشرح الصدر وهو نور يقذف في القلب فيحيا به القلب كما قال سبحانه: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا} [الأنعام: 122] الآية.
المسألة الثالثة:
احتج الأصحاب بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال، فقالوا: قوله: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء} يقتضي أن تكون الهداية في الموضعين بمعنى واحد لأنه لو كان المراد من الهداية في قوله: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى} شيئًا وفي قوله: {ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء} شيئًا آخر لاختل النظم، ثم إما أن يكون المراد من الهداية بيان الدلالة أو الدعوة إلى الجنة أو تعريف طريق الجنة أو خلق المعرفة في القلوب على سبيل الإلجاء أو خلق المعرفة في القلوب لا على سبيل الإلجاء لا جائز أن يكون المراد بيان الأدلة لأنه عليه السلام هدى الكل بهذا المعنى فهي غير الهداية التي نفى الله عمومها، وكذا القول في الهداية بمعنى الدعوة إلى الجنة، وأما الهداية بمعنى تعريف طريق الجنة فهي أيضًا غير مرادة من الآية لأنه تعالى علق هذه الهداية على المشيئة وتعريف طريق الجنة غير معلق على المشيئة لأنه واجب على الله تعالى والواجب لا يكون معلقًا على المشيئة فمن وجب عليه أداء عشرة دنانير، لا يجوز أن يقول إني أعطي عشرة دنانير إن شئت، وأما الهداية بمعنى الإلجاء والقسر فغير جائز لأن ذلك عندهم قبيح من الله تعالى في حق المكلف وفعل القبيح مستلزم للجهل أو الحاجة وهما محالان ومستلزم المحال محال فذلك محال من الله تعالى والمحال لا يجوز تعليقه في المشيئة، ولما بطلت الأقسام لم يبق إلا أن المراد أنه تعالى يخص البعض بخلق الهداية والمعرفة ويمنع البعض منها، ولا يسأل عما يفعل، ومتى أوردت الكلام على هذا الوجه سقط كل ما أورده القاضي عذرًا عن ذلك.
أما قوله: {وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين} فالمعنى أنه المختص بعلم الغيب فيعلم من يهتدي بعد ومن لا يهتدي، ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر شبههم وأجاب عنها بالأجوبة الواضحة، وبين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله تعالى، حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا وهي قولهم: {إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} [القصص: 57] قال المبرد: الخطف، الانتزاع بسرعة، روى أن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لنعلم أن الذي تقوله حق، ولكن يمنعنا من ذلك تخطفنا من أرضنا، أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا من أرضنا، فأجاب الله سبحانه وتعالى عنها من وجوه الأول: قوله: {أَوَ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ حَرَمًا ءامِنًا} أي أعطيناكم مسكنًا لا خوف لكم فيه، إما لأن العرب كانوا يحترمون الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكانه، فإنه يروى أن العرب خارج الحرم كانوا مشتغلين بالنهب والغارة، وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحر، أو لقوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِنًا} [آل عمران: 97] وأما قوله: {يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شيء} فهو تعالى كما بين كون ذلك الموضع خاليًا عن المخاوف والآفات بين كثرة النعم فيه، ومعنى: {يجبى} يجمع من قولهم: جبيت الماء في الحوض إذا جمعته، قرأ أهل المدينة تجبى بالتاء، وأهل الكوفة، وأبو عمرو بالياء، وذلك أن تأنيث الثمرات تأنيث جمع وليس بتأنيث حقيقي، فيجوز تأنيثه على اللفظ وتذكيره على المعنى، ومعنى الكلية الكثرة كقوله: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شيء} [النمل: 23] وحاصل الجواب: أنه تعالى لما جعل الحرم آمنًا وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله تعالى مقبلين على عبادة الأوثان، فلو آمنوا لكان بقاء هذه الحالة أولى، قال القاضي: ولو أن الرسول قال لهم إن الذي ذكرتم من التخطف لو كان حقًا لم يكن عذرًا لكم في أن لا تؤمنوا وقد ظهرت الحجة لانقطعوا، أو قال لهم إن تخطفهم لكن بالقتل وغيره، وقد آمنتم كالشهادة لكم فهو نفع عائد علكيم لانقطعوا أيضًا، ولو قال لهم ما قدر مضرة التخطف في جنب العقاب الدائم الذي أخوفكم منه إن بقيتم على كفركم لانقطعوا، لكنه تعالى احتج بما هو أقوى من حيث بين كذبهم في أنهم يتخطفون من حيث عرفوا من حال البقعة بالعادة، أن ذلك لا يجري إن آمنوا، ومثل ذلك إذا أمكن بيانه للخصم فهو أولى من سائر ما ذكرنا، فلذلك قدمه الله تعالى، والآية دالة على صحة الحجاج الذي يتوصل به إلى إزالة شبهة المبطلين.